في نهاية العام 2025، أجرى “تحالف الحقوق الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” استطلاعاً لآراء أعضائه بهدف القيام بجولة أُفُق حول واقع حركة الحقوق الرقمية في منطقتنا.
وخلال المقابلات، طَلَبْنا من الأعضاء مشاركة القضايا الجوهرية التي يُركِّزون عليها، وبحَثْنا في تأثير التمويل على المنطقة، وقيَّمْنا مدى تعرُّض أعضائنا للمضايقات القانونية وغيرها من أشكال الضغط. وكشفت مناقشاتُنا عن حركةٍ أنهكتها العواصف الجيوسياسية في السنوات القليلة الماضية. مع ذلك، وبحسب تعبير الناشط المصري والصديق القريب من حركتنا علاء عبد الفتاح، الذي أُفرِجَ عنه مؤخّراً، “لم نُهزَم بعد”.
أُطلِقَ “تحالف الحقوق الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” في العام 2021 للمناصرة من أجل سياسات متعلّقة بالإنترنت والتكنولوجيا تعكس التعقيدات الاجتماعية والسياسية في المنطقة. وكان التحالف يُعرَف سابقاً باسم ” تحالف الحقوق الرقمية في المنطقة العربية”، قبل أن نُغيِّر اسمه إلى “تحالف الحقوق الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” ليُجسِّد المصالح المشتركة مع الإقليم الأوسع.
وقد تأكّدنا للأسف من أنَّ أعضاء التحالف يُواجِهون تحدّيات تشغيلية، من بينها فقدان التمويل أو التعرُّض لأشكال مختلفة من المضايقات. وعلى الرغم من ذلك، تمكَّنوا من مواصلة تقديم دعم تقني وأمني بالغ الأهمّية للنساء، والمُدافِعين عن حقوق الإنسان، ولمجتمعاتٍ كاملة، إلى جانب إنتاج أبحاث عالية الجودة، وتنفيذ حملات لمحو الأميّة الرقمية، والانخراط في أنشطة المناصرة.
في ما يتعلّق بالأولويات، تبيَّن لنا أنَّ الحقوق الأساسية مثل الخصوصية وحرّية التعبير، التي شكَّلت تقليدياً محورَ حركة الحقوق الرقمية، صُنِّفَت بالإجماع كمسائل بالغة الأهمّية. في المقابل، تباينت الاهتمامات بشكل ملحوظ حول قضايا محدّدة، مثل عسكرة التكنولوجيا وتطوُّر الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، اعتُبِرَ كلّ موضوع أساسياً من قِبَل عددٍ من الأعضاء على الأقلّ، ما يُبرِز التنوُّع في مجالات عمل أعضاء التحالف، والفرص الواضحة لتبادُل المهارات وتعزيز التنسيق داخل التحالف.
وأوضحت ديما سمارو، المديرة التنفيذية لمنظّمة “سكاي لاين الدولية لحقوق الإنسان”، قائلةً: “في منطقتنا، لا يُعَدّ الذكاء الاصطناعي نقاشاً سياساتياً بعيداً عن الواقع المُعاش. بل إنَّه مسألة حياة أو موت. فمن غزّة إلى لبنان، نرى كيف تُستَخدَم عسكرة التكنولوجيا والأنظمة المؤتمتة كسلاح لتسهيل الدمار الشامل والمحو المنهجي لأحياءٍ بأكملها. وبالنسبة إلى تحالف الحقوق الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تعُد الأولوية تقتصر على الخصوصية الرقمية، بل باتت تتمثّل في ضمان ألّا تُستخدَم التكنولوجيا لأتمتة عملية تدمير مجتمعاتنا”.
تشمل بعض مجالات التنسيق المُشجِّعة بشكل خاصّ، الرغبة في تبادُل القدرات التقنية وقدرات جمع التمويل، والتركيز على تبادُل المهارات بين الأعضاء، إلى جانب السعي إلى توسيع نطاق عمل “تحالف الحقوق الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” بما يعكس تنوُّع عضويته. وخلال المقابلات، اقترحَ الأعضاء أفكاراً مبتكرة يمكن دمجها في عمل التحالف في العام 2026، من بينها تنظيم ندوات إلكترونية متخصّصة لتبادُل المهارات، وإعداد مقترحات تمويل مشتركة.
يضمّ التحالف اليوم أكثر من 30 منظّمة وعضواً فردياً من مختلف أنحاء المنطقة، تتنوّع مجالات تركيزهم لتشمل البحث التقني، ومحو الأميّة الرقمية، والمناصرة القانونية، وتقديم الدعم المباشر للأفراد والمجتمعات التي تتعرّض لانتهاكات في مجال الحقوق الرقمية.
وكانَ من بين مجالات المناصرة والبحث التي أثارت ردود فعل قوية لدى الأعضاء، العمل المتعلّق بالإشراف على المحتو، الذي يُعَدّ من أكثر المجالات التي برز فيها عمل التحالف، بدءاً من حملة “أوقفوا إسكات فلسطين“، وصولاً إلى نشر وثيقة “أسئلة شائعة حول سياسات تعديل المحتوى“. كما عقدَ التحالف اجتماعات مشتركة مع شركات التكنولوجيا للمناصرة بشأن قضايا الإشراف على المحتوى المستمرّة في المنطقة، مثل السياسات الفضفاضة المتعلّقة بـ”المحتوى الإرهابي”.
كذلك، خصَّصَ أعضاء التحالف، بشكل فردي وجماعي، وقتاً للبحث في قضايا الإشراف على المحتوى وتوثيقها، ولدعم أفراد من المجتمعات المتضرّرة من انتهاكات الحقوق على الإنترنت من خلال مراكز المساعدة. وكما عبَّرَ عددٌ من الناشطين من الأغلبية العالمية على مدى سنوات، تبدو هذه الجهود وكأنَّها عمل غير مدفوع الأجر، بالرغم من كونها أساسية لأفراد مجتمعاتنا. والأسوأ من ذلك أنَّ بعض الشركات باتَت تستجيب أقلّ للبلاغات الواردة من منصّات دعم السلامة الرقمية ، ربّما نتيجة تسريح موظّفي فرق الثقة والسلامة وحقوق الإنسان.
وأشارَ الأعضاء إلى أنَّهم يُقدِّرون التحالف بوصفه مساحة موثوقة للتضامن والاستجابة السريعة. ففي ظلّ سياق جيوسياسي يزداد صعوبة، تُنفَّذ أنشطة الإشراف على المحتوى وغيرها من أعمال المناصرة في بيئة تتضاءل فيها التغطية الإعلامية والإنجازات الملموسة.
في هذا السياق، سيواصل “تحالف الحقوق الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” أداء دوره كمساحة موثوقة للتضامن والاستجابة السريعة. وقد شدَّدَ ضياء كيالي، العضو المستقلّ في التحالف، على أهمّية هذا الدور، قائلاً: “يُوفِّر التحالف حيّزاً يجمع العاملين المستقلّين في مجال حقوق الإنسان، والمنظّمات الإقليمية، والمنظّمات الدولية، لتبادُل المعلومات حول المستجدّات والتجاوب معها بشكل جماعي. ومع تسارُع تطوُّر التهديدات والفرص التكنولوجية بوتيرة متزايدة، ستغدو هذه الوظيفة أكثر إلحاحاً”.
وفي العام 2026، نرى أنَّ المناصرة العلنية للتحالف ستعكس هذه الرؤى من خلال حملات أكثر ابتكاراً. وعلى الرغم من الضغوط الخارجية والثغرات في التمثيل الإقليمي داخل التحالف، ما زالَ الأخير يُشكِّل همزة وصلٍ حيوية لا غنى عنها.

0 تعليق